- التحدي الأكبر الذي يواجه هذه التقنيات هو صعوبة فهم السياق الثقافي واللغوي
بقلم: علي عمر عبد العظيم.
لم يُستجد خطاب الكراهية على مجتمعات اليوم، بل هو سلوك قديم أصبح تحديا كبيرا في الوقت الحاضر تبعا لاتساع مساحات التعبير، وانتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خاصة في المجتمعات التي يعاني فيها الإعلام والتعليم ومؤسسات المجتمع الدينية الضعف.
في عصرنا الحالي ما عاد هذا الخطاب مجرد كلمات عابرة تطويها الأحداث اليومية في خضم الأحداث المتسارعة، بل يمكن أن تتحول إلى أداة تقود إلى انقسام المجتمع والعنف في بعض الأحول.
بسبب خطورة هذا السلوك عملت العديد من دول العالم على استحداث تجارب يسندها العلم لأجل محاربة خطاب الكراهية والحد من انتشاره، ومثلت هذه التجارب منظومات قانونية وتربوية وتقنية ومجتمعية.
هذه المقالة نقدم تجارب دولية بارزه في مواجهة خطاب الكراهية، وكيف اقتلعت العديد من الدول هذا السلوك من مجتمعاتها وتخلصت من تبعاته المدمرة.
ما هو خطاب الكراهية؟
على وجه العموم يعتبر خطاب كراهية كل محتوى يحرض على العنف ضد جماعات معينة، أو يحتوي ألفاظ مهينة على أساس العرق والدين، أو التهديد والإرهاب على أساس الهوية، أو احتواء المادة على محتوى عنصري أو متطرف.
القوانين في مواجهة خطاب الكراهية
سن القوانين المجرِّمة لهذا الخطاب والمعاقبة عليه يُبرز إرادة الدولة في القضاء عليه، والقوانين هي أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول في بتر الظواهر الخطرة.
وضعت العديد من الدول القوانين النافذة التي تجرم هذا الفعل، وتشديد العقوبات على مرتكبيه خاصة إذا اقترن الخطاب بالتحريض على العنف أو التمييز الفئوي بسبب اللغة أو الدين أو العرق أو الجنس.

خطت دول أوروبية خطوات واسعة في سبيل محاربة هذا الخطاب بتبنيها قوانين صارمة تجعل الأشخاص المروجين لخطاب الكراهية في مواجهة أحكام من بينها السجن.
لقد قدمت هذه القوانين خدمة كبيرة لتلك المجتمعات عبر تأمين الفضاء العام وتخليص المجتمع من الأحقاد والعنف غير المبرر، ليس ذلك فحسب فقد استطاعت القوانين ضبط خطاب أجهزة الإعلام التقليدية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.
وعملت دول أوروبية على توسيع مفهوم المسؤولية ليظلل المنصات الرقمية جنبا إلى جنب مع المؤسسات الإعلامية ليتحمل كل فرد ومؤسسة المسؤولية القانونية والأخلاقية عن المحتوى الذي ينشرونه، الأمر الذي حد كثيرا من انتشار خطاب الكراهية.
في بريطانيا مثلا هذه القوانين تعمل على الحد من هذا الخطاب:
Puplic Order Act 1986
Malicious Communications Act 1988
Communication Act 2003
Crime and Disorder Act 1998
هذه القوانين تجرم التحريض على الكراهية العرقية والدينية وإرسال رسائل التهديد أو الرسائل المسيئة عبر وسائل الاتصال والمعاقبة على نشر محتوى مسيئ أو فاحش عبر الهاتف أو الإنترنت.
هذه القوانين تصل العقوبات المرتبطة بها إلى السجن 7 سنوات في الحالات المرتبطة بالتحريض على العنف، أو مدة أقل بحسب تقدير المحكمة.
كما توقع الغرامات المالية على المخالفين ، مع إضافة الجريمة إلى السجل الجنائي للشخص المدان، مع توقيع عقوبات مثل منع التواصل مع الضحية أو الحرمان من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترة يحددها منطوق الحكم ونصه.
دور التعليم في الحد من خطاب الكراهية
لا تكتفي الدول صاحبة الإرادة الحقيقية بسن القوانين وتطبيقها، بل تعتمد التعليم وسيلة طويلة المدى لبناء وعي المجتمع ليحارب بنفسه خطاب الكراهية تلقائيا.
في الدول التي تحرص على استقرار مجتمعاتها يتم إدراج موضوعات حقوق الإنسان والتنوع الثقافي ضمن المناهج الدراسية في الأنظمة التعليمية من مراحل مبكرة لأجل تعزيز قيم التسامح، بل وتعمل النظم التعليمية على تدريب الطلاب على التفكير النقدي لتمكينهم من التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير.
تؤكد التجارب الناجحة أن محاربة هذا الخطاب لا بد أن تبدأ من مرحلة الطفولة عن طريق تعليم الأطفال احترام الآخر وتقبل الاختلاف، حيث يحد ذلك من احتمال تبنيهم الخطاب الهدام في المستقبل.
خطاب الكراهية في الفضاء الإسفيري
تبعا لانتشار استخدام الإنترنت ازدادت سرعة انتشار خطاب الكراهية الذي كان في الماضي البعيد محصورا في نطاقات ضيقة بسبب ضعف التواصل مقارنة بما نحن عليه الآن، فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نشر الأشخاص لآرائهم الشخصية على أوسع نطاق، وأضحى ذلك مدخلا لجهات وكيانات لنشر هذا النوع من الخطاب الهدام.
استشعارا منها لخطورة الأمر واكبت بعض الدول التحدي وأصدرت تشريعات تجبر شركات التكنولوجيا على إزالة أي محتوى يعتبر خطاب كراهية خلال مهلة محدودة، ولم يتم الاكتفاء بذلك بل جرى تطوير تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لفحص المحتوى في الفضاء العام وتحليله وتحديد كنهه.
رغما عن هذه الجهود الكبيرة ما زال اجتثاث هذا الخطاب أمرا بعيد المنال لسبب سرعه انتشار المحتوى الإسفيري وحجمه الكبير، مما دفع الدول إلى إيجاد تفاهمات بينها والشركات التقنية والمجتمع المدني لمجابهة هذا النوع من الخطاب.
دور المبادرات المجتمعية في الحد من خطاب الكراهية
المجتمعات التي تعاني من انتشار هذا خطاب وتقع تبعا لذلك ضحية لنتائجه عليها تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في محاربة هذا الخطاب.
تعمل هذه المنظمات على التوعية وفق حملات مدروسة وليست عشوائية، ترمي إلى نشر الوعي بين فئات المجتمع باستخدام واسائل مختلفة تشمل الفنون والإعلام والنشاطات الشبابية والطالبية مهمتها إلقاء الأضواء الكاشفة على مخاطر خطاب الكراهية.

وبإمكان منظمات المجتمع المدني أن تقيم الورش الرامية إلى دعم مهارات التواصل والحوار، سيسهم ذلك بالتأكيد في دعم التواصل المجتمعي وتقليل التوترات والاحتكاكات الناتجة عن هذا النوع من الخطاب الضار.
أكدت تجارب منظمات المجتمع المدني أنه بالإمكان تحويل المجتمع إلى مدافع عن استقراره من خلال نبذه لهذا الخطاب إذا ما تلقى التعليم والتوعية.
الفرق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية
يكون الأمر معقدا عند الحديث عن التوازن بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، ففي الوقت التي تسعى في الدول لحماية المجتمع من خطاب الكراهية وآثاره فهي تحرص أيضا على عدم فرض المزيد من القيود على حرية التعبير التي هي من صميم حقوق الإنسان.
لحل هذه المعضلة تم اعتماد تعريف دقيق للتفريق بين النقد الذي يسنده القانون وخطاب الكراهية الذي يتعارض مع القانون، حيث لا يعد الرأي المخالف خطاب كراهية، وإنما يتم تصنيفه كخطاب كراهية إذا احتوى تمييزا واضحا أو تحريضا على العنف.
أهمية هذا التوازن كبيرة للحد من استخدام القانون في تكميم الأفواه وتلفيق التهم لأغراض أخرى لا علاقة لها بأصل الموضوع.
تجارب دولية ناجحة في مكافحة خطاب الكراهية
بشكل عام نستعرض هنا تجارب دولية بلغت نجاحا كبيرا في محاصرة هذا النوع من الخطاب، من خلال تطبيق القوانين وتوعية المجتمع وتزويده بالمعرفة.
تركز الدول الاسكندنافية مثلا على الحوار المجتمعي والتعليم لمجابهة خطاب الكراهية، وتهتم دول أخرى على وسائل تقنية متقدمة لرصد وتحديد خطاب الكراهية وتحليله وتحديد المسؤولين عنه ومعاقبتهم وفق القانون.
هذه التجارب تؤكد أن محاربة هذا الخطاب لا تنجح باتباع وسيلة واحدة، وإنما بالتعاون بين قطاعات متعددة ذات هدف واحد وإرادة حقيقية لتحقيقه.
دور الإعلام في الحد من خطاب الكراهية
قدرة الإعلام على تشكيل الرأي العام وتعديل اتجاهاته تمنحه القدرة على لعب دور كبير في الحد من خطاب الكراهية أو المساهمة في انتشاره.

هناك في مختلف دول العالم معايير صارمة قانونية ومهنية تمنع وسائل الإعلام الجماهيري من ترويج هذا النوع من الخطاب، يتبع ذلك إخضاع الصحفيين للتدريب على كيفية عرض وتحليل القضايا ذات الحساسية العالية بمنهج بعيد عن هذا النوع من الخطاب.
وبإمكان الإعلام نشر تجارب إيجابية عن شعوب نجحت في التعايش والتمازج الأمر الذي يحد من أثر هذا الخطاب على المجتمع المستهدف.
التكنولوجيا وخطاب الكراهية
كما تستخدم التكنولوجيا في نشر خطاب الكراهية تستخدم كذلك في الحد من انتشاره، بحسب نية المستخدم وهدفه.
تتم المكافحة عن طريق تطوير الخوارزميات القادرة على رصد هذا النوع من الخطاب بشكل سريع، كما يتم استخدام تقنيات تحليل البيانات لفهم أنماط هذا المحتوى وتحديد المسؤولين عنه من مصادر ووسائل وأشخاص.
التحدي الأكبر الذي يواجه هذه التقنيات هو صعوبة فهم السياق الثقافي واللغوي، ويؤدي ذلك في مرات كثيرة إلى أخطاء في تصنيف المحتوى.
لكي يخلو العالم من خطاب الكراهية
أخيرا ندرك أن محاربة خطاب الكراهية يتطلب قوانين رادعة ونظم تعليم مواكبة وتكنولوجيا حديثة ومجتمع واع، إضافة إلى التعاون الدولي المثمر.
علينا التأكيد بأن بناء مجتمعات خالية من هذا النوع من الخطاب الهدام يبدأ من تعزيز قيم التسامح والاحترام وغرسها في الأطفال، ولهذا فإن المسؤولية تقع على الحكومات والمؤسسات والأفراد.